يدفع شمال أفريقيا ثمنًا باهظًا لصراع لم يبدأه ولم يتحكم في مساره، وفقًا لتحليل م. أ. حسّين، المحلل السياسي والدفاعي والمساهم الخاص في موقع بليتز. وبينما ينصب الاهتمام الدولي على التطورات العسكرية في البحر الأحمر والخليج العربي، تتشكل أزمة اقتصادية أكثر هدوءًا على امتداد جنوب البحر المتوسط، إذ تواجه مصر والمغرب وتونس والجزائر وليبيا تداعيات اضطراب حركة التجارة البحرية وتقلبات أسواق الطاقة وتزايد الضغوط المالية.

 

ويشير بليتز في تقرير إلى أن اضطراب الملاحة في قناة السويس والغموض المحيط بمضيق هرمز لا يمثلان أزمتين جيوسياسيتين منفصلتين بالنسبة إلى شمال أفريقيا، بل وجهين لصدمة اقتصادية واحدة. إذ يؤدي أحدهما إلى خفض عائدات النقد الأجنبي عبر تحويل حركة السفن بعيدًا عن قناة السويس، بينما يرفع الآخر تكلفة الطاقة المستوردة والمدخلات الصناعية والغذاء عبر تهديد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

 

مصر بين خسائر قناة السويس وضغوط التضخم

 

تواجه مصر التداعيات الأسرع والأشد حدة، إذ لطالما شكلت قناة السويس أحد أكثر مصادر النقد الأجنبي استقرارًا إلى جانب السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وصادرات الغاز الطبيعي. ومع اتجاه شركات الشحن التجارية بصورة متزايدة إلى تجنب البحر الأحمر بسبب المخاطر الأمنية المستمرة، تراجعت حركة الملاحة في القناة بصورة حادة، ما حرم مصر من مليارات الدولارات من الإيرادات.

 

ولا تقتصر الخسائر على رسوم عبور السفن، إذ تحرم كل سفينة تغير مسارها بعيدًا عن القناة مصر من عملة أجنبية ثمينة تحتاج إليها لتمويل الواردات ودعم استقرار الجنيه المصري والوفاء بالتزامات الديون الخارجية. وتأتي هذه التطورات بينما تنفذ القاهرة إصلاحات صعبة في إطار برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي، ما يجعل تراجع عائدات قناة السويس أكثر ضغطًا على المالية العامة.

 

ويضع هذا الوضع الحكومة أمام معضلة سياسية واقتصادية صعبة، إذ يتعين عليها مواصلة ضبط المالية العامة لتلبية متطلبات المقرضين الدوليين، بالتوازي مع حماية الأسر من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. وفرض إصلاحات دعم الوقود وارتفاع أسعار الخدمات وتراجع قيمة العملة ضغوطًا كبيرة على المستهلكين، بينما يترك انخفاض إيرادات قناة السويس خيارات أقل أمام صانعي السياسات لتخفيف هذه الأعباء الاجتماعية، ما يزيد احتمالات انتقال الاضطرابات الجيوسياسية الخارجية إلى معاناة اقتصادية داخلية.

 

أما المغرب، فيواجه تحديًا مختلفًا لكنه لا يقل أهمية، إذ لا يعتمد على ممر مائي استراتيجي واحد كمصدر للدخل الوطني، وإنما يتأثر بارتفاع تكاليف الإنتاج التي تنتشر تدريجيًا في مختلف قطاعات الاقتصاد.

 

ويظل مضيق هرمز أهم ممر لنقل النفط في العالم، وأي تهديد لحركة الملاحة عبر هذا الممر الضيق ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة العالمية، ويدفع أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي والمنتجات البترولية إلى الارتفاع. وتصل هذه التكاليف المرتفعة في نهاية المطاف إلى المغرب عبر ارتفاع أسعار النقل والتصنيع والمدخلات الصناعية المستوردة.

 

ويبرز قطاع الأسمدة مثالًا واضحًا على هذه الهشاشة، إذ يحتضن المغرب واحدة من أكبر صناعات الفوسفات في العالم، ما يجعل صادرات الأسمدة عنصرًا محوريًا في اقتصاده وفي منظومة الأمن الغذائي العالمي. غير أن تصنيع الفوسفات يعتمد بدرجة كبيرة على الكبريت المستورد، ويأتي جزء كبير منه من منتجي الخليج.

 

وفي حال أدت اضطرابات الملاحة حول مضيق هرمز إلى تعطيل إمدادات الكبريت أو رفع تكاليف نقله، سترتفع تكلفة إنتاج الأسمدة، ما ينعكس على الأسواق الزراعية عالميًا ويزيد تكاليف إنتاج الغذاء في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا. وهكذا تتحول الاضطرابات في الخليج، عبر سلاسل الإمداد الصناعية المغربية، إلى تحدٍ زراعي عالمي.

 

ولا يقل القطاع الزراعي المغربي تعرضًا للضغوط، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الديزل إلى زيادة تكاليف الزراعة، بينما تقلص أسعار الأسمدة المرتفعة هوامش أرباح المزارعين. وقد يدفع ذلك المنتجين إلى خفض الاستثمارات أو تقليص المساحات المزروعة أو تأجيل خطط التوسع. ومع مرور الوقت، يتراجع الإنتاج الزراعي بالتزامن مع مواجهة المستهلكين ارتفاع أسعار الغذاء، لتتكرر دورة تضخمية تشبه صدمات السلع الأساسية التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن في ظل مساحة مالية أضيق بكثير أمام الحكومات لحماية الفئات الأكثر ضعفًا.

 

تونس والجزائر وليبيا.. أزمات مختلفة تحت ضغط واحد

 

تجد تونس نفسها في وضع ربما يكون الأكثر صعوبة، إذ لا تمتلك عائدات قناة السويس المصرية ولا حجم الصادرات المغربية ولا الثروة الهيدروكربونية الجزائرية. وفي المقابل، تجمع بين ارتفاع الدين العام والركود الاقتصادي المستمر والاعتماد على الطاقة المستوردة.

 

ويرفع أي ارتفاع في أسعار النفط فاتورة الواردات التونسية مباشرة، بينما يزيد الضغط على المالية العامة. ويؤدي التضخم إلى تآكل القوة الشرائية، في حين يظل معدل البطالة مرتفعًا، وتعرقل حالة عدم اليقين السياسي تنفيذ الإصلاحات الهيكلية. وعلى خلاف الاقتصادات الإقليمية الأكبر، تمتلك تونس هوامش مالية محدودة لمواجهة صدمات خارجية ممتدة، ما يجعلها شديدة التأثر بأي اضطرابات طويلة في التجارة العالمية.

 

وقد تبدو الجزائر وليبيا في وضع أفضل لمواجهة الأزمة، إذ تؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى زيادة عائدات الصادرات وتحسين الأوضاع المالية وتوفير موارد إضافية للحكومات. وغالبًا ما توحي زيادة أسعار الهيدروكربونات بأن الدول المصدرة للطاقة تستفيد تلقائيًا من الاضطرابات الإقليمية.

 

لكن هذه الصورة مضللة. فبالنسبة إلى الجزائر، يظل الاعتماد على الهيدروكربونات مصدر قوة وهشاشة طويلة الأمد في الوقت نفسه. ويواصل النفط والغاز الطبيعي الهيمنة على عائدات الصادرات وإيرادات الحكومة، ما يجعل المالية العامة شديدة التأثر بتقلبات أسواق السلع. ورغم أن ارتفاع الأسعار يحسن الأداء المالي على المدى القصير، فإنه يقلل أيضًا الحاجة الملحة إلى التنويع، فتفقد الإصلاحات التي يمكن أن تدعم التصنيع والتكنولوجيا والسياحة والطاقة المتجددة زخمها في كثير من الأحيان عندما تتعافى عائدات النفط.

 

ويضيف الاستهلاك المحلي المتزايد للطاقة تحديًا آخر، إذ يؤدي ارتفاع الطلب الداخلي إلى تقليص كميات الغاز الطبيعي المتاحة للتصدير، ما يخفض تدريجيًا إيرادات النقد الأجنبي المستقبلية. وفي الوقت نفسه، تواصل الأسواق الأوروبية تنويع مورديها وتشديد اللوائح البيئية، وهو ما قد يعيد تشكيل الطلب طويل الأجل على الصادرات الجزائرية.

 

أما ليبيا، فتواجه واقعًا أكثر هشاشة، إذ يؤدي ارتفاع إنتاج النفط بلا شك إلى زيادة الدخل الوطني، لكن هذه الإيرادات تتدفق إلى اقتصاد لا يزال منقسمًا بين مؤسسات سياسية متنافسة ويعاني محدودية القدرات الإدارية. وبدلًا من توجيه الإيرادات الإضافية إلى تنويع الاقتصاد، غالبًا ما تستخدم عائدات النفط في تمويل أجور العاملين الحكوميين والإنفاق الجاري.

 

ومن دون مؤسسات أقوى ونظام أوسع لتحصيل الضرائب واستثمارات في القطاعات الإنتاجية، تظل ليبيا شديدة الاعتماد على دورات أسعار النفط. ولذلك توفر الزيادات المؤقتة في الإيرادات متنفسًا ماليًا دون معالجة نقاط الضعف الهيكلية التي تواصل تقييد التنمية طويلة الأجل.

 

شمال أفريقيا أمام ضرورة تنويع اقتصاداتها

 

تكشف التجارب المختلفة لهذه الدول أن شمال أفريقيا لا ينقسم ببساطة إلى رابحين وخاسرين، بل تواجه دول المنطقة الصدمة الجيوسياسية نفسها عبر قنوات انتقال مختلفة.

 

وتعاني مصر انخفاض عائدات النقد الأجنبي، بينما يستورد المغرب التضخم عبر ارتفاع تكاليف الطاقة والصناعة. وتواجه تونس الضغوط نفسها في وقت واحد مع مرونة مالية محدودة، في حين تستفيد الجزائر وليبيا مؤقتًا من ارتفاع الإيرادات، لكنهما تظلان عرضة لهبوط أسعار السلع مستقبلًا بسبب ضعف التنويع الاقتصادي.

 

وتتجاوز الدلالة الأوسع للأزمة الحالية حدود الظروف الراهنة، إذ تعرضت اقتصادات شمال أفريقيا خلال العقد الماضي لسلسلة متكررة من الصدمات الخارجية. وأدت جائحة كوفيد-19 إلى تعطيل السياحة وسلاسل الإمداد العالمية، بينما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تسريع تضخم أسعار الغذاء والطاقة. ويواصل تغير المناخ زيادة حدة موجات الجفاف التي تهدد الإنتاج الزراعي، والآن تكشف الاضطرابات المحيطة باثنين من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم طبقة جديدة من مواطن الضعف الاقتصادي.

 

وتكشف هذه الأزمات المتكررة نقطة ضعف مشتركة، تتمثل في الاعتماد المفرط على عوامل خارجية لا تملك حكومات المنطقة سيطرة تذكر عليها.

 

وسواء تعلق الأمر بعائدات العبور أو الوقود المستورد أو صادرات الهيدروكربونات أو الاقتراض السيادي أو أسواق السلع العالمية، يظل النمط واحدًا؛ إذ تتحول الاضطرابات الخارجية بسرعة إلى أزمات مالية داخلية بسبب ضعف القدرة على بناء اقتصادات أكثر صمودًا.

 

ويتطلب هذا الواقع استجابة سياسية أوسع من مجرد تعديلات مالية مؤقتة أو اللجوء إلى الاقتراض الطارئ. ويتعين على حكومات شمال أفريقيا تسريع تنويع قطاعات التصدير، وتعزيز التصنيع المحلي، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وتحسين الأمن الغذائي، وتعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي. ولم يعد تقليص الاعتماد على عدد محدود من مصادر الإيرادات المتقلبة مجرد هدف اقتصادي، بل أصبح ضرورة استراتيجية.

 

كما تؤدي المؤسسات المالية الدولية دورًا مهمًا في هذا السياق. وينبغي أن تراعي برامج الاستقرار بصورة متزايدة قدرة الصدمات الجيوسياسية على تغيير الافتراضات الاقتصادية الكلية بسرعة. وتحتاج الدول التي تواجه اضطرابات خارجية استثنائية إلى مساحة كافية في السياسات للحفاظ على التماسك الاجتماعي مع مواصلة الانضباط المالي.

 

وفي نهاية المطاف، لا يكمن الخطر الأكبر الذي يواجه شمال أفريقيا في ارتفاع أسعار النفط أو تراجع عائدات قناة السويس فحسب، وإنما في التأثير التراكمي للصدمات الخارجية المتكررة على اقتصادات مثقلة بالديون ومحدودة المساحة المالية وبطيئة الإصلاح الهيكلي. وطالما استمرت الاضطرابات حول قناة السويس ومضيق هرمز، ستظل المنطقة عالقة بين قوتين تضغطان بصورة متواصلة على النمو والاستثمار وثقة الجمهور.

 

قد لا تكون شمال أفريقيا ساحة معركة في الصراعات الجيوسياسية الراهنة، لكنها بلا شك واحدة من أبرز ضحاياها اقتصاديًا. وما لم تستغل الحكومات هذه اللحظة لبناء اقتصادات أكثر تنوعًا وقدرة على الصمود، ستتحول الأزمة الحالية إلى فرصة أخرى ضائعة، تترك المنطقة أكثر انكشافًا عندما تصل الصدمة الخارجية المقبلة، وهو أمر يبدو حتميًا.
 

https://weeklyblitz.net/2026/08/12/between-suez-and-hormuz-north-africa-faces-a-silent-economic-squeeze/
https://weeklyblitz.net/2026/08/12/between-suez-and-hormuz-north-africa-faces-a-silent-economic-squeeze/